tafsir ahlam ibn sirin

tafsir ahlam

إن من كمال الشريعة الإسلامية الغراء، وحكمتها، أن شرعت آداباً ينبغى للمسلم أن يتحلى بها فى الرؤيا، صالحة كانت أو مكروهة. وهذا لأجل مراعاة مصلحة المسلم وتوجيهه الوجهة السليمة، كى تكون حياته كلها عبادة لله وعملاً بشرعه.
أما فيما يتعلق بالرؤيا الصالحة : فقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث أبى سعيد الخدرى – رضى الله عنه – أنه قال : " إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هى من الله فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هى من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكر لأحد، فإنها لا تضره " رواه البخارى فى كتاب التعبير، باب الرؤيا من الله (12/385 فتح البارى)
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب " فليبشر : بالضم من الإبشار والبشرى، وهى ما يسر، وبالفتح من النشر والإشاعة فيتحصل مما ورد فى السنة من آداب الرؤيا الصالحة ما يلى:- أن يحمد الله عليها ويسأله تحقيقها، ويحدث بها من يحب، ويعلم منه المودة ليسر لسروره، ويدعو له فى ذلك، ولا يحدث بها من لا يحب لئلا يشوش عليه بتأويل يوافق هواه، أو يسعى حسداً منه فى إزالة النعمة عنه، فإن كل ذى نعمة محسود.

السؤال عن الرؤيا وتفسير الاحلام

لقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يسأل أصحابه عن رؤاهم. فقد ثبت فى الصحيحين من حديث سمرة بن جدنب – رضى الله عنه – أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى أقبل عليهم بوجهه، فقال : " هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا "( رواه البخارى فى كتاب التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (12/457 فتح البارى) ومسلم فى كتاب الرؤيا (15/35 بشرح النووى).) وصح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس أنه كان مما يقول لأصحابه : " من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له ..."(رواه مسلم فى كتاب الرؤيا (15/36 بشرح النووى).)
فها هو صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه عن رؤاهم يرجو بذلك رؤيا مبشرة له صلى الله عليه وسلم وللمسلمين وقد ذكر أهل العلم – رحمهم الله – حكماً عديدة فى كون النبى صلى الله عليه وسلم يسألهم بعد صلاة الفجر خاصة، ومنها : أن الرائى يكون صافى الذهن، لم يطرأ عليه ما يشوش رؤياه. ومنها : أن العابر يكون حاضر الذهن لم ينشل فكره بأمور الدنيا والمعيشة. ومنها: أن الرائى يعرف ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشر بالخير، ويحذر الشر ويتأهب لذلك. وفى هذا الحديث رد على من قال إن الرؤيا لا تعبر فى أوقات النهى الثلاثة، فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان يسألهم ويعبر رؤياهم بعد صلاة الفجر .
لكن ينبغى للمسلم أن يحذر المغالاة فى هذا الباب، فلا يلقى باله للأضغاث ويكثر السءال عنها، كما هو حال بعض الناس خصوصاً العوام، والنساء، فلا يسأل المسلم عن الرؤيا، ويطلب تعبيرها إلا بعد أن يتيقن أنها من النوع الذى يستحق التعبير فعلاً وإن ترك السؤال عن الرؤيا مطلقاً فلا حرج فى ذلك بل المهم أن يتأدب بآداب الرؤيا الواردة، سواء كانت صالحة أم مكروهة. والله أعلم.

على من تقص الرؤيا

إذا تبين مما سبق قيمة الرؤيا، ومنزلتها فى الإسلام، وأثرها على حياة المسلم فينبغى للمسلم أن يعلم أن الرؤيا لا تقص على كل أحد

ومصداق ذلك فى السنة المطهرة من حديث أنس بن مالك – رضى الله عنه – أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرؤيا تقع على ما تعبر به، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدك رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحاً أو عالماً "أخرجه الحاكم فى المستدرك، وصححه، ووافقه الذهبى (4/391 المستدرك مع التلخيص) وصححه الألبانى فى (السلسلة الصحيحة 1/186 برقم 120).
وجاء فى الحديث أبى رزين العقيلى – رضى الله عنه – أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت. قال الراوى : وأحسبه قال : لا يقصها إلا على واد (واد أى محب) أو ذى رأى"رواه الإمام أحمد فى المسند 4/10، وأبو داود فى الأدب، باب ما جاء فى الرؤيا 4/305 والترمذى فى كتاب الرؤيا، باب ما جاء فى تعبير الرؤيا 7/49، وقال : حديث حسن صحيح.
فمن هذه الأحاديث يتضح الواجب على المسلم تجاه الرؤيا، وأنه إذا رأى رؤيا وأراد تعبيرها بحث عن أهل العلم والفضل والدين، فلا يقصها على جاهل أو سفيه أو حاسد، كما هو حال كثير من الناس اليوم، فتجده حال قيامه من النوم يقص رؤياه على كل من قابله، عرفه أو لم يعرفه، وهذا خطأ واضح، وهو خلاف السنة.
قال القرطبى – رحمه الله – عند قوله تعالى : (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) ( سورة يوسف 5) : هذه الآية أصل فى ألا تقص الرؤيا على غير شفيق، ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها. أ - ﻫ (تفسير ابن كثير) قلت : والشرع الحكيم لا يرشد إلى شيء إلا وفيه مصالح عظيمة، فالحكمة والله أعلم من تخصيص قصها على هؤلاء المذكورين: لأنهم إن عرفوا خيراً قالوه وإن جهلوا أو شكروا سكتوا، وأرشدوا المسلم إلى ما ينفعه ويعينه على أمور دينه ودنياه.