صدق الحديث والرؤيا

صدق الحديث والرؤيا

فى هذا المعنى جاءت السنة المطهرة، وهو وقوع الرؤيا على ما تعبر به ففى حديث أنس بن مالك – رضى الله عنه – أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرؤيا تقع على ما تعبر به، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها فإن رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحاً أو عالماً "
وفى حديث أبى رزين – رضى الله عنه – أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت " ( رواه أبو داود والترمذي وصححه، و ابن ماجه و أحمد، وصححه الألباني.  )
على رجل طائر : أى أنها على قدر جار، وقضاء جار، وقضاء ماض من خير أو شر، وهى لأول عابر يحسن عبارتها. وهذا مثل معناه : أنها لا يستقر قرارها ما لم تعبر، فإذا احتملت تأويلين أو أكثر فعبرها من يعرف عبارتها وقعت على ما أولها وانتفى عنها غيره من التأويل وروي عن عائشة – رضى الله عنها - أنها قالت : كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف – يعنى فى التجارة – فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : " إن زوجى غائب وتركنى حاملاً، فرأيت فى المنام أن سارية بيتى انكسرت وأنى ولدت غلاماً أعور، فقال : " خير، يرجع زوجك إن شاء الله صالحاً، وتلدين غلاماً براً "، فذكرت ذلك ثلاثاً. فجاءت ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائب فسألتها فأخبرتنى فى المنام فقلت : لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك، وتلدين غلاماً فاجراً، فقعدت تبكى فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " مه يا عائشة، إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها ". فمات والله زوجها ولا أراها إلا ولدت غلاماً فاجراً " (رواه الدارمى فى كتاب الرؤيا، باب القميص والبئر واللبن ... (2/ 175) وحسن الحافظ إسناده فى فتح البارى 12/450.
قلت : ويتضح من هذا الأثر أن الرؤيا وقعت على ما عبرتها به عائشة – رضى الله عنها – مع أن النبى صلى الله عليه وسلم عبرها على غير ذلك، فلعل السبب أن المرأة لم تكتف بتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل تعجلت وسألت غيره فعوقبت بوقوعها على تأويل عائشة – رضى الله عنها – والله أعلم.)
وأخرج سعيد بن منصور عن عطاء قال : (كان يقال الرؤيا على ما أولت) ( صحح الحافظ إسنادة فى فتح البارى 12/450) قال أهل العلم : إن الرؤيا لأول عابر إذا كان العابر الأول عالماً، فعبرها فأصاب وجه التعبير، وإلا فهى لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب فى تعبير المنام ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضرب من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغى أن يسأل غيره، وإن لم يصب فليسأل الثانى، وعليه أن يخبره بما عنده ويبين ما جهل الأول فيكون معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم " فإذا عبرت وقعت " أى إذا كان عابرها مصيباً .
قلت : وهذا ما يجمع بين هذا الحديث، وتفسير القرطبى – رحمه الله – لقوله تعالى : (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ) ( سورة يوسف 44) حيث قال : إن فيها دليلاً على بطلان قول من يقول : إن الرؤيا على أول ما تعبر، لأن القوم قالوا (أضغاث أحلام) ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على سنى الجدب والخصب فكان كما عبر . أ - ﻫ فلا يكون الأمر على إطلاقه وأن كل من عبر رؤيا وقعت، بل إن عبرت على ما يصيب تعبيرها وقعت، وإلا لم يلزم وقوعها. قال الشيخ الألبانى – حفظه الله – فى الكلام عن حديث أنس السابق : والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر، ولذلك أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن لا نقصها إلا على ناصح أو عالم لأن المفروض فيهما أن يختارا أحسن المعانى فى تأويلها فتقع على وفق ذلك، لكن مما لا ريب فيه أن ذلك مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضاً، وإلا فلا تأثير له حينئذ، والله أعلم أ - ﻫ